فالإمامة عند الشیعة،هی أصل من أصول الدین لما لها من الأهمیة الكبرى و الخطورة العظمى و هی قیادة خیر أمة أخرجت للناس و ما تقوم علیه القیادة من فضائل عدیدة و خصائص فریدة أذكر منها،العلم و الشجاعة و الحلم و النزاهة و العفة و الزهد و التقوى و الصلاح الخ . فالشیعة یعتقدون بأن الإمامة منصب إلهی یعهد به الله سبحانه إلى من یصطفیه من عباده الصالحین لیقوم بذلك الدور الخطیر ألا و هو قیادة العالم بعد النبی (صلى الله علیه و آله و سلم).
و على هذا كان الإمام علی بن أبی طالب إماما للمسلمین باختیار الله له، و قد أوحى لرسوله لكی ینصبه علما للناس،و قد نصبه رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) و دل الأمة علیه بعد حجة الوداع فی غدیر خم،فبایعوه«هذا ما یقوله الشیعة». أما أهل السنة و الجماعة فیقولون أیضا بوجوب الإمامة لقیادة الأمة،و لكنهم یجعلون للأمة حق اختیار إمامها و قائدها،فكان أبو بكر بن أبی قحافة إماما للمسلمین باختیار المسلمین أنفسهم له بعد وفاة رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) الذی سكت عن أمر الخلافة و لم یبین للأمة شیئا منها و ترك الأمر شورى بین الناس.
أین الحقیقة
إذا تأمل الباحث فی أقوال الطرفین و تمعن فی حجج الفریقین بدون تعصب فسوف یقترب من الحقیقة بدون شك.و ها أنا سوف أستعرض و إیاكم الحقیقة التی وصلت إلیها على النحو التالی:
الإمامة فی القرآن الكریم:
قال الله تعالى:و إذا ابتلى إبراهیم ربه بكلمات فأتمهن قال إنی جاعلك للناس إماما،قال و من ذریتی قال لا ینال عهدی الظالمین (1) . فی هذه الآیة الكریمة یبین الله لنا بأن الإمامة منصب إلهی یعطیه الله لمن یشاء من عباده لقوله:جاعلك للناس إماما كما توضح الآیة بأن الإمامة هی عهد من الله لا ینال إلا العباد الصالحین الذین اصطفاهم الله لهذا الغرض لانتفائه عن الظالمین الذین لا یستحقون عهده سبحانه و تعالى.
و قال تعالى:و جعلناهم أئمة یهدون بأمرنا و أوحینا إلیهم فعل الخیرات و إقام الصلاة و إیتاء الزكاة و كانوا لنا عابدین (2) . و قال سبحانه و تعالى:و جعلنا منهم أئمة یهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآیاتنا یوقنون (3) .
و قال أیضا:و نرید أن نمن على الذین استضعفوا فی الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثین (4) .
و قد یتوهم البعض بأن مدلول الآیات المذكورة یفهم منها بأن الإمامة المقصودة هنا هی النبوة و الرسالة و هو خطأ فی المفهوم العام للإمامة،لأن كل رسول هو نبی و إمام و لیس كل إمام رسول أو نبی!
و لهذا الغرض أوضح الله سبحانه و تعالى فی كتابه العزیز بأن عباده الصالحین یمكن لهم أن یسألوه هذا المنصب الشریف لیتشرفوا بهدایة الناس و ینالوا بذلك الأجر العظیم قال تعالى:و الذین لا یشهدون الزور و إذا مروا باللغو مروا كراما و الذین إذا ذكروا بآیات ربهم لم یخروا علیها صما و عمیانا،و الذین یقولون ربنا هب لنا من أزواجنا و ذریاتنا قرة أعین و اجعلنا للمتقین إماما (5) .
كما أن القرآن الكریم إستعمل لفظ الإمامة للتدلیل على القادة و الحكام الظالمین الذین یضلون أتباعهم و شعوبهم و یقودنهم إلى الفساد و العذاب فی الدنیا و الآخرة،فقد جاء فی ذكر الحكیم،حكایة عن فرعون و جنوده،قوله تعالى:فأخذناه و جنوده فنبذناهم فی الیم فانظر كیف كان عاقبة الظالمین،و جعلناهم أئمة یدعون إلى النار و یوم القیامة لا ینصرون،و أتبعناهم فی هذه الدنیا لعنة و یوم القیامة هم من المقبوحین (6) .
و على هذا الأساس فقول الشیعة هو الأقرب لما أقره القرآن الكریم لأن الله سبحانه و تعالى أوضح بما لا یدع مجالا للشك بأن الإمامة منصب إلهی یجعله الله حیث یشاء و هو عهد الله الذی نفاه عن الظالمین و بما أن غیر علی من صحابة النبی قد أشركوا فترة ما قبل الإسلام فإنهم بذلك یصبحون من الظالمین،فلا یستحقون عهد الله لهم بالإمامة و الخلافة،و یبقى قول الشیعة بأن الإمام علی بن أبی طالب إستحق وحده دون سائر الصحابة عهد الله بالإمامة لأنه لم یعبد إلا الله و كرم الله وجهه دون الصحابة لأنه لم یسجد لصنم،و إذا قیل بأن الإسلام یجب ما قبله،قلنا نعم و لكن یبقى الفرق كبیرا بین من كان مشركا و تاب،و من كان نقیا خالصا لم یعرف إلا الله.
الإمامة فی السنة النبویة:
قال رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) فی الإمامة أقوالا متعددة رواها كل من الشیعة و السنة فی كتبهم و مسانیدهم فمرة تحدث عنها بلفظ الإمامة و مرة بلفظ الخلافة و أخرى بلفظ الولایة أو الإمارة.
جاء فی الإمامة قوله (صلى الله علیه و آله و سلم):
«خیار أئمتكم الذین تحبونهم و یحبونكم و تصلون علیهم و یصلون علیكم و شرار أئمتكم الذین تبغضونهم و یبغضونكم و تلعنونهم و یلعنونكم».
قالوا یا رسول الله أفلا ننابذهم بالسیف فقال«لا ما أقاموا فیكم الصلاة» (7) .
و قال (صلى الله علیه و آله و سلم): «یكون بعدی أئمة لا یهتدون بهدای و لا یستنون بسنتی و سیقوم فیهم رجال قلوبهم قلوب الشیاطین فی جثمان إنس» (8) . و جاء فی الخلافة قوله (صلى الله علیه و آله و سلم): «لا یزال الدین قائما حتى تقوم الساعة أو یكون علیكم إثنا عشر خلیفة كلهم من قریش» (9) .
و عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) یقول:«لا یزال الإسلام عزیزا إلى اثنى عشر خلیفة ثم قال كلمة لم أفهمها فقلت لأبی،ما قال؟فقال كلهم من قریش» (10) .
و جاء فی الإمارة قوله (صلى الله علیه و آله و سلم): «ستكون أمراء فتعرفون و تنكرون فمن عرف بریء و من أنكر سلم و لكن من رضی و تابع قالوا :أفلا نقاتلهم قال:لا ما صلوا» (11) .
و قال (صلى الله علیه و آله و سلم) فی لفظ الإمارة أیضا:
«یكون اثنا عشر أمیرا كلهم من قریش» (12) .
و جاء عنه (صلى الله علیه و آله و سلم) محذرا أصحابه: «ستحرصون على الإمارة و ستكون ندامة یوم القیامة فنعم المرضعة و بئست الفاطمة» (13) .
و جاء الحدیث أیضا بلفظ الولایة.
قال رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم): «ما من وال یلی رعیة من المسلمین فیموت و هو غاش لهم إلا حرم الله علیه الجنة» (14) .
كما حدث (صلى الله علیه و آله و سلم) بلفظ الولایة: «لا یزال أمر الناس ماضیا ما ولیهم إثنا عشر رجلا كلهم من قریش» (15) .
تعلیقات:
1)سورة البقرة آیة .124
2)سورة الأنبیاء آیة .73
3)سورة السجدة آیة .24
4)سورة القصص آیة .5
5)سورة الفرقان آیة 71ـ .74
6)سورة القصص آیة 41ـ .42
7)صحیح مسلم ج 6 ص 24 باب خیار الأئمة و شرارهم.
8)صحیح مسلم ج 6 ص 20 باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن.
9)صحیح مسلم ج 6 ص 4 باب الناس تبع لقریش و الخلافة فی قریش.
10)صحیح مسلم ج 6 ص 3 و صحیح البخاری ج 8 ص 105 و ص .128
11)صحیح مسلم ج 6 ص 23 باب وجوب الإنكار على الأمراء.
12)صحیح البخاری ج 8 ص 127 باب الإستخلاف.
13)صحیح البخاری ج 8 ص 106 باب ما یكره من الحرص على الإمارة.
14)صحیح البخاری ج 8 ص 106 باب ما یكره من الحرص على الامارة.
15)صحیح مسلم ج 6 ص 3 باب الخلافة فی قریش.
مع الصادقین ص 35
الدكتور محمد التیجانى السماوى