قال تعالى:یا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله یعصمك من الناس (1) .
یقول بعض المفسرین من أهل السنة و الجماعة بأن هذه الآیة نزلت فی بدایة الدعوة عندما كان رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) یقیم حرسا یحرسونه خوفا من القتل و الإغتیال فلما نزلتو الله یعصمك من الناسقال«إذهبوا فإن الله قد عصمنی».
فقد أخرج ابن جریر و ابن مردویه عن عبد الله بن شقیق قال:«إن رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) كان یتعقبه ناس من أصحابه فلما نزلت و الله یعصمك من الناسفخرج فقال:
«یا أیها الناس إلحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمنی من الناس» (2) .
و أخرج ابن حبان و ابن مردویه عن أبی هریرة قال:كنا إذا صحبنا رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) فی سفر تركنا له أعظم دوحة و أظلما فینزل تحتها فنزل ذات یوم تحت شجرة و علق سیفه فیها،فجاء رجل فأخذه فقال:یا محمد من یمنعك منی؟فقال رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) الله یمنعنی منك.ضع عنك السیف فوضعه، فنزلتو الله یعصمك من الناس (3) . كما أخرج الترمذی و الحاكم و أبو نعیم عن عائشة قالت:كان النبی (صلى الله علیه و آله و سلم) یحرس حتى نزلتو الله یعصمك من الناسفأخرج رأسه من القبة فقال:أیها الناس،إنصرفوا فقد عصمنی الله.
و أخرج الطبرانی و أبو نعیم فی الدلائل و ابن مردویه و ابن عساكر عن ابن عباس قال:كان النبی (صلى الله علیه و آله و سلم) یحرس و كان یرسل معه عمه أبو طالب كل یوم رجلا من بنی هاشم یحرسونه،فقال:یا عم إن الله قد عصمنی لا حاجة لی إلى من تبعث.
و نحن إذا تأملنا فی هذه الأحادیث و هذه التأویلات وجدناها لا تستقیم و مفهوم الآیة الكریمة و لا حتى مع سیاقها فكل هذه الروایات تفید بأنها نزلت فی بدایة الدعوة حتى أن البعض یصرح بأنها فی حیاة أبی طالب یعنی قبل الهجرة بسنوات كثیرة،و بالخصوص روایة أبی هریرة التی یقول فیها«كنا إذا صحبنا رسول الله فی سفر تركنا له أعظم دوحة...الخ»فهذه الروایة ظاهرة الوضع لأن أبا هریرة لم یعرف الإسلام و لا رسول الله إلا فی السنة السابعة للهجرة النبویة كما یشهد هو نفسه بذلك (4) فكیف یستقیم هذا،و كل المفسرین سنة و شیعة أجمعوا على أن سورة المائدة مدینة و هی آخر ما نزل من القرآن؟؟؟
فقد خرج أحمد و أبو عبید فی فضائله و النحاس فی ناسخه و النسائی و ابن المنذر و الحاكم و ابن مردویه و البیهقی فی سننه عن جبیر بن نفیر قال:حججت فدخلت على عائشة،فقالت:لی یا جبیر تقرأ المائدة؟فقلت نعم،فقالت:أما إنها آخر سورة نزلت،فما وجدتم فیها من حلال فاستحلوه،و ما وجدتم من حرام محرموه (5) . كما أخرج أحمد و الترمذی و حسنه الحاكم و صححه،و ابن مردویه و البیهقی فی سننه عن عبد الله بن عمرو قال:آخر سورة نزلت سورة المائدة (6) .
و أخرج أبو عبید عن محمد بن كعب القرطنی قال:نزلت سورة المائدة على رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) فی حجة الوداع،فیما بین مكة و المدینة و هو على ناقته،فانصدعت كتفها فنزل عنها رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) (7) .
و أخرج ابن جریر عن الربیع بن أنس قال:نزلت سورة المائدة على رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) فی المسیر فی حجة الوداع و هو راكب راحلته،فبركت به راحلته من ثقلها (8) .
و أخرج أبو عبید عن ضمرة بن حبیب و عطیة بن قیس قالا:قال رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) المائدة من آخر القرآن تنزیلا،فأحلوا حلالها و حرموا حرامها (9) .
فكیف یقبل العاقل المنصف بعد كل هذا،إدعاء من قال بنزولها فی أول البعثة النبویة؟و ذلك لصرفها عن معناها الحقیقی،أضف إلى ذلك أن الشیعة لا یختلفون فی أن سورة المائدة هی آخر القرآن نزولا و أن هذه الآیة بالذاتیا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیك من ربك...و التی تسمى آیة البلاغ نزلت على رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) یوم الثامن عشر من شهر ذی الحجة عقیب حجة الوداع فی غدیر خم قبل تنصیب الإمام علی علما للناس لیكون خلیفته من بعده و ذلك یوم الخمیس،و قد نزل بها جبرائیل(علیه السلام)بعد مضی خمس ساعات من النهار فقال:یا محمد إن الله یقرئك السلام و یقول لك:یا أیها الرسولیا أیها الرسول بلغ ما أنزل إلیك من ربك،و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله یعصمك من الناس. على أن قوله سبحانه و تعالىو إن لم تفعل فما بلغت رسالتهیدل دلالة واضحة بأن الرسالة انتهت أو هی على و شك النهایة،و إن بقی فقط أمر مهم لا یكتمل الدین إلا به.
كما تشعر الآیة الكریمة بأن الرسول كان یخشى تكذیب الناس له إذا ما دعاهم لهذا الأمر الخطیر،و لكن الله سبحانه لم یمهله للتأجیل فالأجل قد قرب،و هذه الفرصة هی أحسن الفرص و موقفها هو أعظم المواقف إذ اجتمع معه (صلى الله علیه و آله و سلم) أكثر من مائة ألف رافقوه فی حجة الوداع و ما زالت قلوبهم عامرة بشعائر الله مستحضرة نعی الرسول نفسه إلیهم .
و قوله لهم:لعلی لا ألقاكم بعد عامكم هذا و یوشك أن یأتی رسول ربی و أدعى فأجیب،و هم سیفترقون بعد هذا الموقف الرهیب للعودة إلى دیارهم و لعلهم لا تتاح لهم فرصة اللقاء مرة أخرى بهذا العدد الكبیر،و غدیر خم هو مفترق الطرقات فلا یمكن لمحمد (صلى الله علیه و آله و سلم) أن یفوت هذه الفرصة بأی حال من الأحوال.كیف و قد جاءه الوحی بما یشبه التهدید على أن كل الرسالة منوطة بهذا البلاغ و الله سبحانه قد ضمن له العصمة من الناس فلا داعی للخوف من تكذیبهم فكم كذبت رسل من قبله و لكن لم یثنهم ذلك عن تبلیغ ما أمروا به فما على الرسول إلا البلاغ،و لو علم الله مسبقا بأن أكثرهم للحق كارهون (10) و لو علم بأن منهم مكذبین (11) ما كان سبحانه لیتركهم بدون إقامة الحجة علیهم لئلا یكون للناس على الله حجة بعد الرسل و كان الله عزیزا حكیما (12) .
على أن لرسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) أسوة حسنة فی من سبقه من إخوانه الرسل الذین كذبتهم أممهم قال تعالى:و إن یكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح و عاد و ثمود و قوم إبراهیم و قوم لوط و أصحاب مدین،و كذب موسى فأملیت للكافرین،ثم أخذتهم فكیف كان نكیر (13) . و نحن إذا تركنا التعصب المقیت،و حب الإنتصار للمذهب لوجدنا أن هذا الشرح هو المناسب لعقولنا و یتماشى مع سیاق الآیة و الأحداث التی سبقتها و أعقبتها.
فماذا یا ترى فعل رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) عندما أمره ربه بإبلاغ ما أنزل إلیه؟؟
یقول الشیعة،بأنه جمع الناس على صعید واحد فی ذلك المكان و هو غدیر خم،و خطبهم خطبة بلیغة طویلة و أشهدهم على أنفسهم فشهدوا بأنه (صلى الله علیه و آله و سلم) أولى بهم من أنفسهم و عند ذلك رفع ید علی بن أبی طالب و قال: «من كنت مولاه فهذا علی مولاه،اللهم وال من والاه و عاد من عاداه،و انصر من نصره و اخذل من خذله و أدر الحق معه حیث دار» (14) . ثم ألبسه عمامته و عقد له موكبا و أمر أصحابه بتهنئته بإمرة المؤمنین ففعلوا و فی مقدمتهم أبو بكر و عمر یقولان بخ بخ لك یابن أبی طالب أصبحت و أمسیت مولى كل مؤمن و مؤمنة (15) .
و بعد ما فرغوا أنزل الله علیهالیوم أكملت لكم دینكم و أتممت علیكم نعمتی و رضیت لكم الإسلام دینا.
هذا ما یقوله الشیعة و هو عندهم من المسلمات و لا یختلف فیه عندهم إثنان،فهل لهذه الحادثة ذكر عند أهل السنة و الجماعة؟و حتى لا ننحاز إلیهم و یعجبنا قولهم:فقد حذرنا الله سبحانه بقوله:و من الناس من یعجبك قوله فی الحیاة الدنیا و یشهد الله على ما فی قلبه و هو ألد الخصام... (16) .
فالواجب أن نحتاط و نبحث هذا الموضوع بكل حذر و ننظر فی أدلة الفریقین بكل نزاهة مبتغین فی ذلك رضاه سبحانه. و الجواب نعم،إن كثیرا من علماء أهل السنة یذكرون هذه الحادثة بكل أدوارها و ها هی بعض الشواهد من كتبهم.
1ـأخرج الإمام أحمد بن حنبل من حدیث زید بن أرقم قال:نزلنا مع رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) بواد یقال له وادی خم،فأمر بالصلاة فصلاها بهجیر،قال فخطبنا،و ظلل لرسول الله بثوب على شجرة سمرة من الشمس فقال: «ألستم تعلمون،أو ألستم تشهدون أنی أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا:بلى قال:فمن كنت مولاه فعلی مولاه،اللهم وال من والاه و عاد من عاده...» (17) .
2ـأخرج الإمام النسائی فی كتاب الخصائص عن زید بن أرقم قال:لما رجع النبی (صلى الله علیه و آله و سلم) من حجة الوداع و نزل غدیر خم أمر بدوحات فقممن،ثم قال: «كأنی دعیت فأجبت و إنی تارك فیكم الثقلین أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله و عترتی أهل بیتی فانظروا كیف تخلفونی فیهما،فإنهما لن یفترقا حتى یردا علی الحوض،ثم قال:إن الله مولای و أنا ولی كل مؤمن،ثم إنه أخذ بید علی فقال:من كنت ولیه فهذا ولیه،اللهم وال من والاه و عاد من عاداه.قال أبو الطفیل فقلت لزید:سمعته من رسول الله فقال:و إنه ما كان فی الدوحات أحد إلا رآه بعینیه و سمعه بأذنیه» (18) .
3ـأخرج الحاكم النیسابوری عن زید بن أرقم من طریقین صحیحین على شرط الشیخین قال:لما رجع رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) من حجة الوداع و نزل غدیر خم،أمر بدوحات فقممن فقال: «كأنی دعیت فأجبت و إنی تركت فیكم الثقلین أحدهما أكبر من الآخر،كتاب الله تعالى و عترتی،فانظروا كیف تخلفونی فیهما،فإنهما لن یفترقا حتى یردا علی الحوض،ثم قال:إن الله عز و جل مولای و أنا مولى كل مؤمن ثم أخذ بید علی فقال:من كنت مولاه فهذا ولیه،اللهم وال من والاه و عاد من عاده...» (19) .
4ـكما أخرج هذا الحدیث مسلم فی صحیحه یسنده إلى زید بن أرقم و لكنه إختصره فقال:قام رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) یوما فینا خطیبا بماء یدعى خما بین مكة و المدینة فحمد الله و أثنى علیه و وعظ و ذكر ثم قال: «أما بعد ألا أیها الناس فإنما أنا بشر یوشك أن یأتی رسول ربی فأجیب و أنا تارك فیكم ثقلین أولهما كتاب الله فیه الهدى و النور فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به فحث على كتاب الله و رغب فیه ثم قال:و أهل بیتی أذكركم الله فی أهل بیتی أذكركم الله فی أهل بیتی أذكركم الله فی أهل بیتی...» (20) .
تعلیقـ بالرغم من أن الإمام مسلم اختصر الحادثة و لم یروها بكاملها إلا أنها بحمد الله كافیة و شافیة و لعل الاختصار كان من زید بن أرقم نفسه لما اضطرته الظروف السیاسیة إلى كتمان حدیث الغدیر و هذا نفهمه من سیاق الحدیث إذ یقول الراوی:انطلقت أنا و حصین بن سبرة و عمر بن مسلم إلى زید بن أرقم،فلما جلسنا إلیه قال له حصین،لقد لقیت یا زید خیرا كثیرا رأیت رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) و سمعت حدیثه و غزوت معه و صلیت خلفه،لقد لقیت یا زید خیرا كثیرا،حدثنا یا زید ما سمعت من رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) قال:یابن أخی و الله لقد كبرت سنی و قدم عهدی و نسیت بعض الذی كنت أعی من رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) فما حدثتكم فاقبلوا و ما لا فلا تكلفونیه،ثم قال:قام رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) یوما فینا خطیبا بماء یدعى خما...
فیبدو من سیاق الحدیث أن حصینا سأل زید بن أرقم عن حادثة الغدیر و أخرجه أمام الحاضرین بهذا السؤال و كان بدون شك یعلم بأن الجواب الصریح على ذلك یسبب له مشاكل مع الحكومة التی كانت تحمل الناس على لعن علی بن أبی طالب،و لهذا نجده یعتذر للسائل بأنه كبرت سنه و قدم عهده و نسی بعض الذی كان یعی ثم یضیف طالبا من الحاضرین بأن یقبلوا ما یحدثهم به و لا یكلفوه ما یرید السكوت عنه. و مع خوفه،و مع إختصاره للحادثة و اقتضابها فقد أوضح زید بن أرقم(جزاه الله خیرا)كثیرا من الحقائق و ألمح لحدیث الغدیر بدون ذكره،و ذلك قوله قام فینا رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) خطیبا بماء یدعى خما بین مكة و المدینة،ثم بعد ذلك ذكر فضل علی و أنه شریك القرآن فی حدیث الثقلین كتاب الله و أهل بیتی بدون أن یذكر إسم علی و ترك للحاضرین أن یستنتجوا ذلك بذكائهم لأن كل المسلمین یعرفون أن علیا هو سید أهل بیت النبوة. و لذلك نرى حتى الإمام مسلم نفسه فهم من الحدیث ما فهمناه و عرف ما عرفناه فتراه یخرج هذا الحدیث فی باب فضائل علی بن أبی طالب رغم أن الحدیث لیس فیه ذكر لاسم علی بن أبی طالب (21) .
5ـأخرج الطبرانی فی المعجم الكبیر بسند صحیح عن زید بن أرقم و عن حذیفة بن أسید الغفاری قال:خطب رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) بغدیر خم تحت شجرات فقال:
«أیها الناس یوشك أن أدعى فأجیب و إنی مسؤول و إنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون؟قالوا نشهد أنك قد بلغت و جاهدت و نصحت،فجزاه الله خیرا.فقال:ألیس تشهدون أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله و أن جنته حق و أنا ناره حق،و أن الموت حق و أن البعث حق بعد الموت،و أن الساعة آتیة لا ریب فیها و أن الله یبعث من فی القبور؟قالوا:بلى نشهد بذلك .فقال اللهم إشهد،ثم قال:یا أیها الناس إن الله مولای،و أنا مولى المؤمنین،و أنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاهـیعنی علیاـاللهم و ال من والاه و عاد من عاداه،ثم قال:یا أیها الناس إنی فرطكم،و إنكم واردون علی الحوض،حوض أعرض ما بین بصرى إلى صنعاء،فیه عدد النجوم قدحان من فضة،و إنی سائلكم حین تردون علی عن الثقلین،كیف تخلفونی فیهما الثقل الأكبر كتاب الله عز و جل سبب طرفه بید الله تعالى و طرفه بأیدیكم،فاستمسكوا به لا تضلوا و لا تبدلوا،و عترتی أهل بیتی فإنه نبأنی اللطیف الخبیر أنهما لن ینقضیا حتى یردا علی الحوض» (22) .
6ـكما أخرج الإمام أحمد من طریق البراء بن عازب من طریقین،قال:كنا مع رسول الله،فنزلنا بغدیر خم،فنودی فینا الصلاة جامعة،و كسح لرسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم)،تحت شجرتین فصلى الظهر و أخذ بید علی،فقال: «ألستم تعلمون أنی أولى بالمؤمنین من أنفسهم؟قالوا:بلى قال:ألستم تعلمون أنی أولى بكل مؤمن من نفسه؟قالوا:بلى قال:فأخذ بید علی،فقال:من كنت مولاه فعلی مولاه،اللهم وال من والاه و عاد من عاداه،قال فلقیه عمر بعد ذلك،فقال له:هنیئا یابن أبی طالب أصبحت و أمسیت مولى كل مؤمن و مؤمنة» (23) .
و باختصار فقد روى حدیث الغدیر من أعلام أهل السنة زیادة عمن ذكرنا،الترمذی و ابن ماجة،و ابن عساكر و أبو نعیم،و ابن الأثیر،و الخوارزمی،و السیوطی،و ابن حجر و الهیثمی،و ابن الصباغ المالكی،و القندوزی الحنفی،و ابن المغازلی و ابن كثیر،و الحموینی،و الحسكانی،و الغزالی،و البخاری فی تاریخه. على أن العلامة الأمینی صاحب كتاب الغدیر ذكر من علماء أهل السنة و الجماعة الذین رووا حدیث الغدیر و أخرجوه فی كتبهم على اختلاف طبقاتهم و مذاهبهم من القرن الأول للهجرة و حتى القرن الرابع عشر فكان عددهم یزید عن ثلثمائة و ستین عالما،و لمن أراد التحقیق فعلیه بمراجعة كتاب الغدیر (24) .
أفیمكن بعد كل هذا.أن یقول قائل بأن حدیث الغدیر هو من مختلفات الشیعة.
و العجیب الغریب أن أغلب المسلمین عندما تذكر له حدیث الغدیر،لا یعرفه أو قل لم یسمع به و الأعجب من هذا كیف یدعی علماء أهل السنة بعد هذا الحدیث المجمع على صحته،بأن رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) لم یستخلف و ترك الأمر شورى بین المسلمین. فهل هناك للخلافة حدیث أبلغ من هذا و أصرح یا عباد الله؟؟و إنی لأذكر مناقشتی مع أحد علماء الزیتونة فی بلادنا عندما ذكرت له حدیث الغدیر محتجا به على خلافة الإمام علی فاعترف بصحته،بل و زاد فی الحبل و صلة فأطلعنی على تفسیره للقرآن الذی ألفه بنفسه،و الذی یذكر فیه حدیث الغدیر و یصححه و یقول بعد ذلك:
«و تزعم الشیعة بأن هذا الحدیث هو نص على خلافة سیدنا علی كرم الله وجهه،و هو باطل عند أهل السنة و الجماعة لأنه یتنافی مع خلافة سیدنا أبی بكر الصدیق و سیدنا عمر الفاروق و سیدنا عثمان ذی النورین،فلا بد من تأویل لفظ المولى الوارد فی الحدیث على معنى المحب و الناصر،كما ورد ذلك فی الذكر الحكیم،و هذا ما فهمه الخلفاء الراشدون و الصحابة الكرام رضی الله تعالى علیهم أجمعین،و هذا ما أخذه عنهم التابعون و علماء المسلمین،فلا عبرة لتأویل الرافضة لهذا الحدیث لأنهم لا یعترفون بخلافة الخلفاء و یطعنون فی صحابة الرسول و هذا وحده كاف لرد أكاذیبهم و إبطال مزاعمهم»انتهى كلامه فی الكتاب.
سألته:هل الحادثة وقعت بالفعل فی غدیر خم؟
أجاب:لو لم تكن وقعت ما كان لیرویها العلماء و المحدثون!
قلت:فهل یلیق برسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) أن یجمع أصحابه فی حر الشمس المحرقة و یخطب لهم خطبة طویلة لیقول لهم بأن علی محبكم و ناصركم؟فهل ترضون بهذا التأویل؟
أجاب:إن بعض الصحابة اشتكى علیا و كان فیهم من یحقد علیه و یبغضه،فأراد الرسول أن یزیل حقدهم فقال لهم بأن علیا محبكم و ناصركم،لكی یحبوه و لا یبغضوه.
قلت:هذا لا یتطلب إیقافهم جمیعا و الصلاة بهم و بدأ الخطبة بقوله:ألست أولى بكم من أنفسكم لتوضیح معنى المولى،و إذا كان الأمر كما تقول فكان بإمكانه أن یقول لمن اشتكى منهم علیا«إنه محبكم و ناصركم»و ینتهی الأمر بدون أن یحبس فی الشمس تلك الحشود الهائلة و هی أكثر من مائة ألف فیهم الشیوخ و النساء،فالعاقل لا یقنع بذلك أبدا!
فقال:و هل العاقل یصدق بأن مائة ألف صحابی لم یفهموا ما فهمت أنت و الشیعة؟؟
قلت:أولا لم یكن یسكن المدینة المنورة إلا قلیل منهم.و ثانیا:إنهم فهموا بالضبط ما فهمته أنا و الشیعة و لذلك روى العلماء بأن أبا بكر و عمر كانا من المهنئین لعلی بقولهم:«بخ بخ لك یابن أبی طالب أمسیت و أصبحت مولى كل مؤمن».
قال:فلما ذا لم یبایعوه إذا بعد وفاة النبی؟أتراهم عصوا و خالفوا أمر النبی؟أستغفر الله من هذا القول.
قلت:إذا كان العلماء من أهل السنة یشهدون فی كتبهم بأن بعضهمـ أعنی من الصحابةـكانوا یخالفون أوامر النبی (صلى الله علیه و آله و سلم) فی حیاته و بحضرته (25) ،فلا غرابة فی ترك أوامره بعد وفاته،و إذا كان أغلبهم یطعن فی تأمیره أسامة بن زید لصغر سنة رغم أنها سریة محدودة و لمدة قصیرة فكیف یقبلون تأمیر علی على صغر سنه و لمدة الحیاة،و للخلافة المطلقة؟و لقد شهدت أنت بنفسك بأن بعضهم كان یبغض علیا و یحقد علیه!!.
أجابنی متحرجا:لو كان الإمام علی كرم الله وجهه و رضی الله عنه یعلم أن رسول الله (صلى الله علیه و آله و سلم) استخلفه،ما كان لیسكت عن حقه و هو الشجاع الذی لا یخشی أحدا و یهابه كل الصحابة.
قلت:سیدی هذا موضوع آخر لا أرید الخوض فیه لأنك لم تقتنع بالأحادیث النبویة الصحیحة و تحاول تأویلها و صرفها عن معناها حفاظا على كرامة السلف الصالح،فكیف أقنعك بسكوت الإمام علی أو باحتجاجه علیهم بحقه فی الخلافة؟
ابتسم الرجل قائلا:أنا و الله من الذین یفضلون سیدنا علیا كرم الله وجهه على غیره،و لو كان الأمر بیدی لما قدمت علیه أحدا من الصحابة،لأنه باب مدینة العلم و هو أسد الله الغالب،و لكن مشیئة الله سبحانه هو الذی یقدم من یشاء و یؤخر من یشاء،لا یسأل عما یفعل و هم یسألون.
ابتسمت بدوری له و قلت:و هذا أیضا موضوع آخر یجرنا للحدیث عن القضاء و القدر و قد سبق لنا أن تحدثنا فیه و بقی كل منا على رأیه،و إنی لأعجب یا سیدی لماذا كلما تحدثت مع عالم من علماء أهل السنة و أفحمته بالحجة سرعان ما یتهرب من الموضوع إلى موضع آخر لا علاقة له بالبحث الذی نحن بصدده قال:و أنا باق على رأیی لا أغیره.ودعته و انصرفت.بقیت أفكر ملیا لماذا لا أجد واحدا من علمائنا یكمل معی هذا المشوار و یوقف الباب على رجله كما یقول المثل الشائع عندنا.
فالبعض یبدأ الحدیث،و عندما یجد نفسه عاجزا عن إقامة الدلیل على أقواله یتملص بقوله :تلك أمة قد خلت لها ما كسبت و لكم ما كسبتم،و البعض یقول ما لنا و لإثارة الفتن و الأحقاد فالمهم أن السنة و الشیعة یؤمنون بإله واحد و رسول واحد و هذا یكفی و البعض یقول بإیجاز :یا أخی إتق الله فی الصحابة،فهل یبقى مع هؤلاء مجال للبحث العلمی و إنارة السبیل و الرجوع للحق الذی لیس بعده إلا الضلال؟و أین هؤلاء من أسلوب القرآن الذی یدعو الناس لإقامة الدلیلقل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقین مع العلم بأنهم لو یتوقفون عن طعنهم و تهجمهم على الشیعة لما ألجأونا للجدال معهم حتى بالتی هی أحسن.
تعلیقات:
1)سورة المائدة آیة .67
2)الدر المنثور فی التفسیر بالمأثور ج 3 ص .119
3)نفس المصدر السابق.
4)فتح الباری ج 6 ص 31 البدایة و النهایة ج 8 ص 102 سیر أعلام النبلاء للذهبی ج 2 ص 436 الإصابة لابن حجر ج 3 ص .287
5)جلال الدین السیوطی الدر المنثور ج 3 ص .3
6)نفس المصدر السابق.
7)الدر المنثور فی التفسیر بالمأثور ج 3 ص .4
8)الدر المنثور فی التفسیر بالمأثور لجلال الدین السیوطی ج 3 ص .4
9)نفس المصدر السابق.
10)سورة الزخرف آیة .78
11)سورة الحاقة آیة .49
12)سورة النساء آیة .165
13)سورة الحج آیة 42ـ .44
14)و هو ما یسمى بحدیث الغدیر و قد أخرجه علماء الشیعة و علماء السنة على حد سواء.
15)أحمد بن حنبل فی مسنده ج 4 ص 281 و الطبری فی تفسیره و الرازی فی تفسیره الكبیر ج 3 ص 636 و ابن حجر فی صواعقه و الدارقطنی و البیهقی و الخطبی البغدادی و الشهرستانی و غیرهم.
16)سورة البقرة آیة .204
17)مسند أحمد بن حنبل ج 4 ص .372
18)النسائی فی كتاب الخصائص ص .21
19)مستدرك الحاكم ج 3 ص .109
20)صحیح مسلم ج 7 ص 122 باب فضائل علی بن أبی طالب و ذكر الحدیث أیضا الإمام أحمد و الترمذی و ابن عساكر و غیرهم.
21)صحیح مسلم ج 7 ص 122 باب فضائل علی بن أبی طالب.
22)ابن حجر فی صواعقه ص 25 نقلا عن الطبرانی و الحكیم الترمذی.
23)مسند الإمام أحمد بن حنبل الجزء الرابع صفحة 281.كذلك فی كنزل العمال جزء 15 ص 117 .فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص .350
24)كتاب الغدیر للعلامة الأمینی فی إحدى عشر مجلدا و هو كتاب قیم جمع فیه صاحبه كل ما یتعلق بحدیث الغدیر من كتب أهل السنة و الجماعة.
25)صحیح البخاری و مسلم إذ أخرجا عدة مخالفات لهم كما فی صلح الحدیبیة و كما فی رزیة یوم الخمیس و غیر ذلك كثیر.
مع الصادقین ص 47
الدكتور محمد التیجانى السماوى