لشیخنا الحجة العلامة الفذ المحقق البارع آیة التتبع و التنقیب،الشیخ عبد الحسین أحمد الأمینی التبریزی النجفی(1320ـ1390 هـ) (1) .
ولد رحمه الله فی تبریز فی اسرة علمیة،و نشأ نشأة صالحة،و اتجه إلى طلب العلم،و درس عند أساتذتها المرموقین،ثم غادرها إلى النجف الأشرف لإنهاء دروسه العالیة فحضر على أكابر أعلامها البارزین،و نهل من علومهم و ارتوى،ثم اتجه إلى التألیف بهمة قعساء تزیل الجبال الراسیات،و لم یكن یومذاك فی النجف الأشرف مكتبات عامة سوى مكتبة كانت فی حسینیة الشوشتریة و اخرى هی مكتبة كاشف الغطاء ـ رحمه الله ـ و فی كل منهما عدة الآف مخطوط و مطبوع،فكان یتردد إلیهما و یستنزف أوقات دوام المكتبة فی مطالعة الكتب و الانتفاع منها،و یكتب ما یختار من غضونها ما عسى یحتاج إلیه،و لكن دوام المكتبة المحدود بضع ساعات لا تفی بهمته و لا تشبع نهمته،فحدثنیـرحمه اللهـقال:«إنی عزمت على قراءة كتب مكتبة الحسینیة كلها فاتفقت مع أمینها أن یسمح لی بالبقاء فیها و یغلق علی الباب!فأجاب» قال:«فأتیت على الكتب كلها!»كما و حدثنی أمین المكتبةـ رحمه الله بذلك أیضا.
و حدثنی المغفور له آیة الله الشیخ محمد حسین آل كاشف الغطاء رحمه الله،قال:«إن الأمینی لم یبق فی مكتبتنا كتابا من كتبها سالما لكثرة مراجعته لها و تقلیبه فیها».
ثم لنرى هل ارتوى و اكتفى؟الجواب:لا،بل كان یراجع المكتبات الخاصة فی بیوت العلماء،و النجف الأشرف كانت یومئذ غنیة بالمكتبات الخاصة،و مع ذلك كله الله وحده یعلم ماذا كان یعانی شیخنا الأمینی فی السعی وراء كتاب واحد حتى یفوز بامنیته.
و بمثل هذه المثابرة و العمل الدؤوب،و إجهاد النفس فی الیوم 18 ساعة بین قراءة و كتابة طوال سنین عدة،و انقطاع عن المجتمع،و انصراف إلى العمل و إنهماك فیه،أمكنه أن ینتج كتاب«الغدیر»موسوعة ضخمة غنیة بالعلم،ملیئة بالحجج و الوثائق،منقطعة النظیر،و الكتاب آیة من آیات هذا القرن،و مثل هذا المجهود العظیم لا یقوم به فرد،و إنما هو عمل لجان فی سنین كثیرة كما نبه على ذلك جمع ممن قرأوا الكتاب فأدهشهم العمل،منهم الفقیه الورع آیة الله العظمى السید عبد الهادی الشیرازیـالمتوفى سنة 1382ـقال فی تقریظ الكتابـطبع فی مقدمة الجزء الخامس«و قد یفتقر مثل هذا التألیف الحافل المتنوع إلى لجنة تجمع رجالا من أساتذة العلوم الدینیة،و لو لم یكن مؤلفه العلامة الأمینی بین ظهرانینا،و لم نر أنه بمفرده قام بهذا العبء الفادح لكان مجالا لحسبان أن الكتاب أثر جمعیة تصدى كل من رجالها لناحیة من نواحیه...».
و قال السید شرف الدین ـرحمه الله ـ فی تقریظ له،نشر فی بدایة الجزء السابع:«موسوعتك الغدیر فی میزان النقد و حكم الأدب عمل ضخم دون ریب،فهی موسوعة لو اصطلح على إبداعها عدة من العلماء و توافروا على إتقانها بمثل هذه الإجادة لكان عملهم مجتمعین فیها كبیرا حقا ...و أما الجوانب الفنیة فقد نسجتها نسج صناع،و هیأت لقلمك القوی فیها عناصر التجوید و الإبداع،فی مادة الكتاب و صورته،و فی أدواتهما المتوفرة،على سعة باع و كثرة اطلاع،و سلامة ذوق و قوة محاكمة...».
و قال بولس سلامة فی كتاب له إلى المؤلف نشر فی بدایة الجزء السابع أیضا:«و قد اطلعت هذا السفر النفیس فحسبت أن لآلىء البحار قد اجتمعت فی غدیركم هذا!أجل یا صاحب الفضیلة إن هذا العمل العظیم الذی تقومون به منفردین لعبء تنوء به الجماعة من العلماء،فكیف استطعتم النهوض به وحدكم؟!لا ریب أن تلك الروح القدسیة،روح الإمام العظیم علیه و على أحفاده الأطهار أشرف السلام هی التی ذللت المصاعب...». هذا و قد رحل شیخنا رحمه الله فی سبیل كتابه هذا باحثا عما لم یطبع من التراث من مصادر قدیمة و مهمة،رحل بنفسه إلى الهند و سوریا و تركیا و سجل الشیء الكثیر فی مجلدین ضخمین سماهما«ثمرات الأسفار».
و من مآثر شیخنا الخالدة المكتبة العامة التی أسسها فی النجف الأشرف باسم:«مكتبة الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام العامة»و اقتنى لها عشرات الالوف من نوادر المطبوعات و نفائس المخطوطات،و لم تزل عامرة بعین الله سبحانه،وقاها الله الشرور و الآفات.
و توفی رحمه الله فی طهران یوم الجمعة 28 ربیع الثانی سنة 1390،و حمل إلى النجف الأشرف،و دفن فی مقبرة خاصة جنب مكتبته العامة،رحمه الله رحمة واسعة و حشره مع موالیه علیهم السلام .
و دراسة جوانب حیاة شیخنا ـرحمه الله ـ تحتاج إلى وقت طویل و مجلد ضخم،و قد كتب نجله البار صدیقنا العزیز الشیخ رضا الأمینی ـحفظه الله ـ دراسة عن حیاة والده فی 127 صفحة،طبعت بأول الطبعة الرابعة من كتاب الغدیر،و هناك كتاب«یادنامه علامه أمینى»فی ذكرى الشیخ الأمینی ـرحمه الله ـ طبع فی طهران بالفارسیة،و هو مجموعة مقالات للأساتذة و الكتاب القدیرین،و ذلك بجهود الاستاذین الدكتور السید جعفر شهیدی و الاستاذ محمد رضا حكیمی،و صدر سنة 1403 فی قرابة 600 صفحة.
حول كتاب الغدیر:
ما إن صدرت أجزاء الكتاب إلا و انهالت علیه التقاریظ إعجابا به و تقدیرا له من قبل الرؤساء و الملوك و المراجع الكبار و الشخصیات الإسلامیة و العلمیة و الكتاب و الباحثین،و لبعضهم أكثر من تقریظ،نشر القلیل منها تباعا فی صدر أجزاء الكتاب الأحد عشر و بقی الكثیر منها لم ینشر.
أما ما نشر منها،فمن تقاریظ الملوك:
1ـالمتوكل على الله یحیى بن محمد حمید الدین،إمام الیمن.
2ـالملك عبد الله بن الحسین،ملك الأردن.
3ـالملك فاروق الأول،ملك مصر.
و من تقاریظ المراجع و المجتهدین الكبار و العلماء الأعلام فتقریظ:
4ـآیة الله العظمى السید عبد الهادی الحسینی الشیرازی.
5ـآیة الله العظمى السید محسن الطباطبائی الحكیم.
6ـآیة الله العظمى الشیخ محمد رضا آل یاسین.
7ـآیة الله العظمى السید حسین الحمامی.
8ـآیة الله السید صدر الدین الصدر.
9ـالعلامة الحجة السید عبد الحسین شرف الدین العاملی.
10ـالعلامة الحجة الشیخ مرتضى آل یاسین.
11ـالعلامة المشارك فی الفنون حیدر قلی سردار كابلی،نزیل كرمانشاه.
12ـالعلامة الأدیب میرزا محمد علی الغروی الاردوبادی.
13ـآیة الله السید علی الفانی الأصفهانی.
14ـالشیخ محمد سعید العرفی السوری،مفتی محافظة دیر الزور،و عضو مجمع اللغة العربیة فی دمشق.
15ـالعلامة السید محمد علی القاضی الطباطبائی التبریزی.
16ـالعلامة السید محمد ابن السید علی نقی الحیدری البغدادی.
17ـالعلامة السید حسین بن السید باقر الموسوی الهندی.
18ـالشیخ محمد سعید دحدوح الحلبی،إمام الجمعة و الجماعة بها.
19ـالشیخ محمد تیسیر الدمشقی،إمام جماعة و خطیب فی دمشق.
و ما نشر من تقاریظ الكتاب و الأساتذة الباحثین فتقریظ:
20ـالاستاذ محمد عبد الغنی حسن المصری،شاعر الأهرام.
21ـالسید محمد الصدر الكاظمی،رئیس وزراء العراق سابقا.
22ـالوزیر العراقی السید عبد المهدی المنتفكی،وزیر المعارف.
23ـالاستاذ یوسف أسعد داغر،الكاتب المسیحی اللبنانی.
24ـالقاضی الشاعر بولس سلامة،المسیحی اللبنانی.
25ـالاستاذ عبد الفتاح عبد المقصود المصری.
26ـالاستاذ صفاء خلوصی خریج جامعة لندن.
27ـالدكتور محمد غلاب المصری،استاذ الفلسفة بكلیة اصول الدین فی جامعة الأزهر.
28ـالاستاذ محمد نجیب زهر الدین العاملی،المدرس فی الكلیة العاملیة فی بیروت.
29ـالدكتور عبد الرحمن الكیالی الحلبی.
30ـالاستاذ المحامی توفیق الفكیكی البغدادی.
31ـعلاء الدین خروفة،خریج الأزهر و الحاكم بالمحاكم الشرعیة فی العراق. و أما ما لم ینشر فكثیر نذكر منهم:شیخنا الشیخ آقا بزرگ الطهرانی،و الدكتور مصطفى جواد،و الاستاذ علی فكری المصری،و السید عبد الزهراء الخطیب،الشیخ سلیمان ظاهر العاملی،و الشیخ محمد تقی الفلسفی شیخ خطباء إیران،و الشیخ كاظم نوح شیخ خطباء بغداد.
طبعات الغدیر:
1ـطبع أولا فی النجف الأشرف فی مطبعة الزهراء من سنة 1945 1364،إلى سنة 1952 1371،و صدر منه تسعة أجزاء.
2ـثم أعادت طبعه دار الكتب الإسلامیة و طبعته فی مطبعة الحیدری بطهران سنة 1372،و صدر منه 11 جزء.
3ـو أعادت دار الكتاب العربی طبعه فی بیروت،فطبعته بالتصویر على طبعة طهران سنة 1967 1387 و سنة .1403
4ـثم طبع سنة 1976 1396 من قبل مكتبة أمیر المؤمنین علیه السلام العامة فرع طهران،طبعته بالتصویر على طبعة دار الكتب الإسلامیة.
5ـطبعته دار الكتب الإسلامیة فی طهران عام 1408 هـ بالتصویر على طبعتها السابقة بمناسبة معرض طهران الدولی الأول للكتاب.
و بقی قسم كبیر من الكتاب لم یطبع،لأنه لم یكتمل تألیفه،فالجهد المضنی أنهك قوى شیخنا المؤلف ـرحمه الله ـ فی السنین الاخیرة من عمره،و المرض ألم به فأقعداه عن متابعة السیر،و كان كل أمله فی الحیاة أن یكمل كتابه،و لله فی دهره شؤون،نسأل الله أن یوفق خلفه الصالح،أشباله النشطین لاقتفاء أثره،و سلوك نهجه،و متابعة جهوده،و مداومة جهاده،و إنجاز عمله،بأحسن الوجوه و أتمها،كان الله فی عونهم و أخذ بناصرهم.
ترجماته:
1ـترجم كتاب«الغدیر»إلى اللغة الفارسیة مرتین.
مرة صدرت فی 21 جزء من منشورات المكتبة الإسلامیة الكبرى فی طهران.
2ـو مرة اخرى من قبل أنجال المؤلف و بعد لما تكتمل.
3ـو ترجم إلى اللغة الاردیة،و صدر الجزء الأول منه فی جزءین كما یأتی برقم .109
فهارس الكتاب:
1ـعمل للكتاب فهارس عامة بإشراف و تنسیق العلامة السید فاضل المیلانی،و طبع مرتین باسم :«على ضفاف الغدیر».
2ـو عمل له فهارس عامة و صدر من قبل قسم الدراسات الإسلامیة فی مؤسسة البعثة فی طهران باسم:«المنیر فی فهارس الغدیر».
محاولات اخرى:
1ـعمل الشیخ علی أصغر مروج الشریعةـمن طلبة العلم فی قمـ ملخصا للغدیر،و اختار من أجزائه 1400 بیت مما نظم فی الغدیر،بمناسبة مرور 1400 عام على واقعة الغدیر و سماه:«نظرة إلى الغدیر».
2ـو عمل أیضا ملخصا آخر أوسع من الأول،و بمنهج آخر و سماه:«فی رحاب الغدیر».
3ـو جمعت أنا ما نالته یدی من رواة الغدیر من التابعین و طبقات الرواة و العلماء و المؤلفین قرنا فقرنا،و حسب التسلسل التاریخی و سمیته:«على ضفاف الغدیر».
تعلیقة:
1)أقول هنا ما قاله شیخنا صاحب الذریعةـقدس الله نفسه ـ فی نقباء البشر 2/543 عندما أراد أن یترجم لاستاذه العلامة المحدث النوری ـ رحمه الله ـ فقال:
«ارتعش القلم بیدی عندما كتبت هذا الاسم،و استوقفنی الفكر عندما رأیت نفسی عازما على ترجمة استاذی[الأمینی]و تمثل لی بهیئته المعهودة بعد أن مضى على فراقنا أكثر من عشرین سنة،فخشعت إجلالا لمقامه،و دهشت هیبة له،و لا غرابة،فلو كان المترجم له غیره لهان الأمر،و لكن كیف و هو من اولئك الأبطال غیر المحدودة حیاتهم و أعمالهم.
أما شخصیة كهذه الشخصیة الرحبة العریضة فمن الصعب جدا أن یتحمل المؤرخ الأمین وزر الحدیث عنها،و لا أرى مبررا فی موقفی هذا سوى الاعتراف بالقصور».
الغدیر فی التراث الاسلامى ص 174
العلامه السید عبد العزیز الطباطبائى